إسلاميو السلطة (113) بقاء العبادي كارثة تصنعها قيادة حزب الدعوة

فبراير 13, 2016 | 6:03 م

سليم الحسني

وصل الشعب العراقي الى تقييم السيد حيدر العبادي من خلال الممارسة، بأنه يعاني الضعف والتردد والحيرة فيما يتعلق بالمواقف والقرارات التي يجب أن ينقلها الى نقطة التنفيذ.
ومع أن هذا التقييم يعكس دقة عالية في تقدير ما عليه شخصية رئيس الوزراء، إلا انها ليست كل صورة العبادي، فهناك جانب أكثر أهمية لم يدركها أغلب الشعب بعد، وذلك لأنها تحتاج الى معايشة واحتكاك مباشر معه.

إن حيدر العبادي لا يواجه القضايا السياسية والإدارية والتنفيذية بتصور مسبق، إنما يتعامل معها لحظة حدوثها. كما أن نشاطه العقلي لا يتحرك إلا بعد ان يكون وجهاً لوجه مع المشكلة الآنية ومع الحدث لحظة وقوعه. وهنا يقف أمام عملية صناعة القرار وهي عملية طويلة شاقة عليه، فهو لا يُفكر بالطريقة المألوفة عند السياسيين والاداريين مهما كانت مناصبهم، إنما يحتاج الى وجود أشخاص آخرين معه، وحاجته اليهم ليس للإستشارة كما هو المتعارف في مثل هذه الحالات، بل لكي يفكر مع نفسه بحضورهم، فالعبادي لا يعرف أن يفكر إلا بصوت مسموع، وهذا ما يترك إنطباعاً عند جلسائه بأنه يناقض نفسه طوال الوقت. بينما هو يقلّب الأمر الواحد على عدد من الوجوه وكل وجه، يفتح له جوانب عديدة، وكل جانب يؤدي الى جهات متنوعة، وهكذا.

لعبة المتاهة التي كنا نلعبها في صغرنا، والتي كانت تنشرها بعض المجلات في صفحات التسلية مع الكلمات المتقاطعة، والفوارق بين الصورتين.. لعبة المتاهة تلك، تشكل بالنسبة للعبادي صداعاً مدمراً لو دعته الضرورة للقيام بها، فهو سيقف عند نقطة البداية من دون حراك، وحتى لو ساعده صديق في الاختيار، فانه سيمتنع عن الأخذ برأي صديقه، لأن الاحتمالات المتفرعة تتوالد في ذهنه، فتصنع له متاهات متشعبة متداخلة، فيزداد تخشباً في سكونه ووقوفه عند موضع قدمه بلا حراك.
قد تبدو الصورة غريبة، وربما ساخرة، لكنني أكتبها بجدية تامة، فهذه هي حقيقة العبادي، وهذا هو الذي يفسر لنا إعلانه مجموعة قرارات ثم يتراجع عنها، أو يتردد في تنفيذها.

إن تلكؤ حيدر العبادي في التنفيذ، صفة يعرفها أعضاء قيادة حزب الدعوة، ولا ينكرها إلا المستفيد من ضعف العبادي وضياعه لإمتصاص ما يريد من مكاسب، أو بعض القياديين الذين يعانون أصلاً تخلفاً ثقافياً ومشاكل في التقييم وفي فهم الأشخاص والمواقف، ومثل هؤلاء يأخذون طريقهم الى مواقع متقدمة في الأحزاب، لسهولة توجيههم من قبل القياديين الأقوى، ولكونهم يسعون للحصول على المكاسب بأي طريقة يمكنهم الحصول عليها.

حالة حيدر العبادي شائعة في المجتمعات، لكنها تصبح غريبة عندما يتطلع صاحبها الى مناصب تنفيذية، ثم تأتي الاستجابة لتطلعاته من قبل المجموعة القريبة منه، وهنا المقصود بها قيادة حزب الدعوة. بل يزداد الأمر غرابة عندما تُنيط به القيادة مسؤوليات تنفيذية رغم تاريخه الحزبي المملوء بالتلكؤ، فمثلاً عندما تم تعيينه ناطقاً رسمياً باسم حزب الدعوة، أصبح هذا الموقع شبه صامت. وعينوه ضمن لجنة لمراجعة النظام الداخلي للحزب، فلم يفعل شيئاً.
ولقد ذكرت في مقال سابق، أن السيد إبراهيم الجعفري كان يقول إن المهمة التي تُناط بالعبادي فان مصيرها الفشل التام. وهذا التقييم ليس عند الجعفري وحده، بل يشاركه فيها معظم أعضاء القيادة.
..
وفي الاجتماعات الحزبية كان حضور العبادي فيها مصدر جدل عقيم يبدأ ولا ينتهي، فلا هو يطرح رأياً محدداً، ولا يقتنع برأي محدد. حيث يطرح رأيه ثم يتراجع عنه ويعود يدعمه ويرجع فينقضه وهكذا. وإذا طرح غيره رأياً فانه يعترض عليه، ثم يؤيده وبعد ذلك يعارضه، في تذبذب مستمر لا ينتهي إلا بضجر الحاضرين والانتقال الى موضوع آخر.

إن ترشيح الدكتور حيدر العبادي لرئاسة الوزراء، سيبقى واحداً من أسوأ الأعمال التي قامت بها قيادة حزب الدعوة، ومع بقائه في المنصب من دون أن تبادر القيادة الى استبداله، أو تطلب منه تقديم الاستقالة، فانها تُمعن في تحويل خطأها الى ركام من التداعيات الخطرة التي تهدد العراق وشعبه بالمزيد من الكوارث.
كيف تقبل قيادة حزب الدعوة أن تؤمّر على العراق شخصية بضعف العبادي وتردده وحيرته؟ وكل شخص فيهم جرّبه واكتشف قابلياته وقدراته المحدودة، ومن لم يكتشف ذلك من قبل، فانه يكون قد اكتشفه خلال فترة توليه الحكم رئيساً لمجلس الوزراء.

ستبقى تهمة المنفعة الشخصية قائمة أمام كل عضو قيادي في حزب الدعوة، ما لم يتخذ موقفاً صريحاً من بقاء العبادي في رئاسة الوزراء. فمع استمراره في المنصب فأن العراق يتجه نحو كارثة مؤكدة، لن تصيب المستفيدين من ضعف العبادي فلقد عرفوا كيف يرتبون أمورهم، لكن هناك شعباً يتهدده الموت والاضطراب وتقسيم أراضيه، وفق مخطط إقليمي طائفي مكشوف.