الآن حصحص الحق .. بقلم: شيرزاد شيخاني

فبراير 12, 2016 | 9:20 ص

مقالة بقلم: شيرزاد شيخاني 

يمتد عمر التجربة الكردستانية بالحكم الى ربع قرن مضى، وبذلك تكون حكومة الإقليم قد تجاوزت سن الرشد والبلوغ ،وأصبحت في سن يؤهلها لتحمل مسؤولية إدارة البيت الكردي..كانت الآمال تتجه نحو الأحزاب الكردية التي عادت من الجبال الى المدن بعد الإنتفاضة الشعبية في آذار 1991 لكي تبني وطنا خاليا من الظلم والإضطهاد والقمع،وأن تسعى الحكومة المحلية الى تحقيق العدالة الإجتماعية وإستعادة الكرامة الإنسانية المهدورة للشعب الكردي.ولكن الأداء السيء للأحزاب الكردستانية وتناحرها وصراعاتها الحزبية أدى بالناس الى الترحم على أيام الدكتاتور صدام حسين، ويرى الكثيرون اليوم بأنه بالمقارنة بين حكم صدام والحكم الحالي فإن أيام صدام كانت أيام عز ورخاء، أما اليوم ففي ظل الأزمة المالية المستفحلة وفي ظل عدم مبالاة الحكومة بمعاناة المواطنين مع الخدمات الأساسية كالكهرباء والماء والطرق ومع المعاشات، فإن الأيام سوداء حالكة الظلام وستزداد قتامة خاصة بعد أن أفلست الحكومة وأصبحت على شفا الإنهيار بعد أن عجزت عن تدبير القوت اليومي للمواطنين. 
قبل أيام تحدث لي أحد الزملاء،أنه أثناء ما كان واقفا بطابور شراء الخبز بأحد مخابز مدينة السليمانية، جاء رجل وإتجه الى داخل المخبز ليهمس في أذن صاحبه بأن يعطيه بعض الخبز بالدين لأنه لم يستلم رواتبه منذ خمسة أشهر!!..عندما سمعت هذه القصة المأساوية تأسفت عن كل يوم وساعة قضيتها في جبال كردستان للنضال ضد الدكتاتورية، فلم نكن نحن المحاربون القدماء ننتظر يوما أسودا كهذا يستجدي فيه أبناء شعبي خبزا وقوتا لأطفاله.. 
منذ عام 2005 حين قرر الدستور العراقي تخصيص نسبة 17 بالمائة من ميزانية الدولة كحصة لكردستان، إنهمرت منذ تلك اللحظة أكثر من 80 مليار دولار على كردستان، لو أضفنا إليها بضعة مليارات أخرى من العوائد الجمركية والرسومات المحلية التي لم تسلم الى الحكومة المركزية يصل الرقم الى مائة مليار دولار تسلمتها حكومة الإقليم خلال عشر سنوات فقط، وهناك تقارير تشير الى أن حكومة الإقليم صدرت منذ عام 2008 ولحد اليوم صدرت ما قيمته 20 مليار دولار من النفط سواء بالخطوط الرسمية أو عن طريق التهريب ويصل الرقم بذلك الى 120 مليار دولار..واليوم أعلنت حكومة الإقليم إفلاسها وأصبحت خزينتها خاوية وعاجزة عن دفع ولو نصف رواتب المعلمين لشهر واحد،ولديها توجه بتقليص رواتب موظفي الحكومة عموما الى النصف وقطع مخصصاتهم.. 
لقد كان يحلو لنيجيرفان بارزاني رئيس أربع حكومات متتالية أن يوصف بـ” مهندس الإعمار”وكان هذا الوصف يدغدغ مشاعره، حتى تجرأ أحد أزلامه ذات يوم بأن يقارن أربيل بدبي،مع العلم أن دبي إحتفلت قبل أيام بتصدير آخر برميل من نفط الإمارات الى الخارج، واللجوء الى الإيرادات الأخرى لتدبير أحوال الشعب والدولة، لكن في كردستان إحتفل موظفوها بقطع رواتبهم ومخصصاتهم.. 
بعد أن إنقلب حزب بارزاني على الشرعية البرلمانية وطرد أربع وزراء من حركة التغيير ظن الكثير من السذج أن سبب تفاقم الأزمات بكردستان هو وجود معارضة داخل الحكومة، ونسوا بأن الإنقلاب المذكور كان بسبب رغبة هذا الحزب للإنفراد بالسلطة وقد حصلوا على ما أرادوا وأصبحت السلطة خالصة لهم، فاليوم يديرون بلا منازع رئاسة الإقليم والحكومة والبرلمان والسلطة القضائية وهي المفاصل الأساسية للحكم، وهذا يرتب عليهم كامل المسؤولية في تفاقم تلك الأزمات. 
منذ عشر سنوات وأنا وعدد من زملائي الكرام نكتب من على هذا المنبر”إيلاف” وغيرها من المنابر الإعلامية عن وجود حالات من الفساد الفظيع تنخر جسد التجربة الكردية، وإنطلاقا من شعورنا بالمسؤولية كنا نطالب بمعالجة تلك الحالات ونبهنا السلطة بعدم الإنجرار الى الولاءات المصطنعة من حفنة من الفاسدين والطفيليين والمنتفعين،ودعوناها عبر العديد من المشاريع الى الشروع بإصلاحات جذرية لقطع دابر الفساد، ولكن لم يستمع إلينا أحد، وشر البلايا هو قيام السلطة بتأسيس اٌقسام تابعة للرئاسة والحكومة والحزب مهمتها ملاحقة كتاباتنا والتعليق عليها أو دفع مرتزقة إعلامهم الى نشر المقالات المضادة لنا،بل أن الأمر وصل الى حد تهديدنا بالقتل والتصفية بعد الترهيب من قبل المؤسسات الأمنية، وكأننا كنا ندعو الى إسقاط السلطة في حين أن هدفنا كان هو الحيلولة دون وصول الأمر الى ما نحن عليه اليوم.وقد إتهمونا بالخيانة والعمالة،حتى أن رئيس الحكومة نيجيرفان بارزاني وبالتواطوء مع أحد العناصر المنتفعة من سلطته نجح في طردي أنا شخصيا من جريدة دولية كنت أعمل فيها لأكثر من أربعة عشر سنة بسبب مقال نشرته ضد فساد حكومته،وقبلها إتهمني أحد أزلامه بالقذف والتشهير حسب قانون البعث للعقوبات وحوكمت بشهر سجن لكتابتي مقالا ضد محافظ أربيل. 
أنظروا الى تعليقات مرتزقة الإعلام على مقالاتنا بإيلاف لتتأكدوا بأن كل اولئك الذين كانوا يصفون كردستان بأنها جنة الله على الأرض، تبين بأنها لاتعدو سوى جحيما مستعرا لايتحمل الإنسان العيش فيه فيهرب الى منافي الأرض ومهاجرها. وتبين بأن مهندس الإعمار بكردستان كانت شهادته مزورة، وأنه مدمر كردستان وليس مهندسها بدليل أنه بعد خبرة 17 عاما من رئاسة الحكومة لم يستطع تدبير نصف رواتب المعلمين..والآن ماذا يقول هؤلاء المرتزقة عن أوضاع كردستان؟. 
– أين القيادة الحكيمة لمسعود بارزاني وكردستان تمضي نحو الهاوية بعد 25 عاما من الحكم؟. 
-أين الدولة الكردية التي يبشر بها بارزاني وكيف يمكن بنائها على الحديدة؟ 
– أين تحويل أربيل الى دبي ثانية والكهرباء تدنت ساعات تجهيزه لبيوت المواطنين الى أقل من عشر ساعات يوميا؟. 
– أين الدولة الكردستانية الكبرى وحزب بارزاني يضع يده بيد تركيا ويكافئها هذه المرة بعقد غازي يمتد لخمسين سنة أخرى على حساب نضال الشعب الكردي بكردستان الشمالية؟. 
– أين هي السياسة الإقتصادية المستقلة ومسؤول رفيع المستوى بحكومة الإقليم يعترف بأن الحكومة لاتملك الأموال لدفع نصف رواتب المعلمين؟. 
– أين الدعم الدولي الكبير لمسعود بارزاني في إنشاء الدولة الكردية المرتقبة،ونجيرفان بارزاني صهره ورئيس حكومته وإبن أخيه يعترف بإجتماع مجلس الوزراء أول من أمس بأنهم أصبحوا وحيدين بمواجهة الأزمات المستفحلة بكردستان؟. 
– أين السياسة النفطية الناجحة والتقارير تكشف بأن زوجة وزير الموارد الطبيعية( النفط) تملك عشر شركات تسويق النفط داخليا وخارجيا،ةقد صودرت (276) مليار دينار من أموالها بسبب وجود شبهة الفساد في العقود النفطية مع زوجها الوزير؟. 
أين الإقلام المأجورة التي كانت تداعب خيالات بعض الناس بالحديث المتكرر عن المنجزات الكبيرة لبارزاني وعائلته وفضلهم الكبير على الأمة الكردستانية. 
الآن حصص الحق وظهر بأن كل ما كان يروج له هؤلاء المرتزقة كانت أوهاما يبيعونها للناس في الخارج، أما المبتلين بهذا الحكم في الداخل فقد إكتووا بنار السلطة التي جعلت أعزة قومنا أذلة (وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا). 
اللهم لاتؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، ولا تسلط علينا من لا يخافك ويرحمنا، آمين يار رب العالمين.