كيري للمعارضة السورية: لن اذهب الى الحرب مع روسيا من اجلكم!

فبراير 10, 2016 | 9:37 م

انتظرنا اكثر من يومين كاملين ان يأتينا اي رد رسمي على طلب المعارضة السورية، الذي تقدم به رياض نعسان الاغا الى الادارة الامريكية، باعطاء توضيحات لاقوال جون كيري وزير الخارجية الامريكي “الصادمة”، التي ادلى بها على هامش مؤتمر لندن للمانحين وتوقع فيها “اجتثاث” هذه المعارضة في غضون ثلاثة اشهر، بسبب انسحابها من مفاوضات جنيف مع النظام تحت مظلة الامم المتحدة، ولكن حتى كتابة هذه السطور لم تصدر مثل هذه التوضيحات لاسباب ما زلنا نجهلها، او لعل الادارة تواجه حرجا شديدا من جرائها، ولا تستطيع نفيها او تأكيدها، واختارت فضيلتي الصمت والتجاهل.

اخطر ما قاله الوزير كيري في تلك التصريحات التي اوقعه فيها “استفزاز” ناشط سوري معارض “عاتبه” على عدم بذله وبلاده الجهود الكافية لانقاذ المدنيين السوريين، هو تحميله المعارضة السورية مسؤولية انهيار محادثات جنيف بإنسحابها منها، مما مهد الطريق لقصف مشترك للطائرات الروسية والسورية لمواقعها في ريف حلب، وتوقعه باستمرار هذا القصف “السجادي” طوال الاشهر المقبلة.

“الضربة القاضية”، وغير المتوقعة، في حديث كيري الذي عكس حالة من الانفعال والغضب، جاءت عندما قال متسائلا على اتهامات هذا الناشط “هل تريدني ان اذهب الى الحرب مع روسيا من اجلكم.. هل هذا ما تريده”.
ما يجعلنا نميل الى صحة هذه التصريحات، غير المتوقعة في قوتها وصراحتها من قبل وزير في حجم ومكانة كيري، اصطدامه قبلها مع قيادة الهيئة العليا، للمفاوضات ورئيسها السيد رياض حجاب اثناء زيارته الى الرياض التي سبقت انعقاد مؤتمر جنيف بأيام، وتهديدها بشكل حاد انها ستخسر دعم اصدقائها اذا استمرت في التمسك بالمقاطعة، اذا لم تتم تلبية جميع شروطها في وقف اطلاق النار، وانهاء الحصارات، والتأكيد على عدم وجود اي دور للرئيس بشار الاسد في مستقبل سورية.

الوزير كيري لم يكتف بالقاء مسؤولية انهيار مفاوضات جنيف على عاتق المعارضة السورية فقط، وانما اوحى بأن الجانب الآخر، اي النظام والايرانيين، كانا على استعداد للقبول بوقف اطلاق النار، وابلغوه بذلك رسميا عبر الروس، وهذا يعني تبرئتهما من اي لوم او مسؤولية عن الفشل، واظهارهما بموقف المتعاون للتوصل الى حل سياسي، على عكس المعارضة.

تحذيرات الوزير كيري وتنبؤاته تتحقق صحتها ميدانيا يوما بعد يوم، فالقصف الروسي الجوي مستمر وبكثافة، مما مكن القوات النظامية المدعومة من حلفائها من فرض طوق شبه كامل على محافظة حلب، مما زاد من مخاوف المعارضة من سقوطها الوشيك.

الدكتورة بسمة قضماني المتحدثة السابقة باسم المجلس الوطني السوري المعارض، احد ابرز فصائل الائتلاف الوطني، توقعت بدورها استعادة القوات النظامية لمدينة حلب بطريقة غير مباشرة، عندما قالت امس في تصريحات لوكالة الصحافة الفرنسية: “انه مع القوات العسكرية السورية ندخل حربا غير متناسقة، فاذا استعاد النظام حلب بمساعدة الروس فستكون نهاية الحرب بمفهومها التقليدي، وستنتقل المقاومة الى استراتيجية اخرى على الارجح، حرب العصابات لمواجهة النظام”.

هناك مؤشران ربما يؤكدان الانتقال فعلا الى حرب العصابات التي تحدثت عنها الدكتورة قضماني:

الاول: هو ما ذكره بيان منسوب الى تنظيم “احرار الشام” تحدث عن قصفه مدينة القرداحة، مسقط رأس الرئيس الاسد اثناء تشييع جثمان والدته الراحلة السيدة انيسة مخلوف، وسقوط قتلى وجرحى، ولم تصدر اي تأكيدات من مصادر مستقلة لهذا الاعلان.

الثاني: سقوط تسعة قتلى وعشرين جريحا في عملية انتحارية بسيارة مفخخة نفذها احد عناصر “داعش” ارتدى زي ضباط الشرطة، امام نادي الضباط وسط العاصمة دمشق فجر اليوم (الثلاثاء).

تصريحات الوزير كيري، وهذه الهجمات التي تعكس نوعا من حرب العصابات توحي بان المشهد السوري بشقيه الميداني العسكري والسياسي التفاوضي يقف امام تطورات جديدة، ابرزها ضعف المعارضة السورية المسلحة عسكريا بسبب تخلي واشنطن وتردد حلفائها السعوديين والاتراك في دعمها بأسلحة نوعية متطورة، وكثافة التدخل العسكري الروسي وعمقه، وخسارتها لحلفائها، ولو جزئيا، في اي مفاوضات سياسية مقبلة لاصرارها على عدم فهم شروط اللعبة الروسية الامريكية، والتفاهمات بين القوتين العظميين بالتالي.
وزير الخارجية الامريكي لم يجانب الحقيقة عندما قال ان بلاده لن تخوض حربا مع روسيا، الدولة العظمى، من اجل المعارضة السورية، وهي التي لم تخض ما هو اهم منها في كرواتيا وشبه جزيرة القرم التي استولى عليها الروس وضموها رسميا الى اتحادهم.

فاذا كانت الادارة الامريكية خذلت تركيا اردوغان، وتفاوضت مع اعدائه الاكراد من خلف ظهره في عين  العرب (كوباني)، وطعنت السعودية في الظهر عندما تفاوضت مع ايران، ووقعت معها اتفاقا نوويا ادى الى رفع الحصار عنها وعودتها الى المجتمع الدولي، فهل ستعير “حرد” المعارضة السورية وعودتها الى الرياض غضبا اي اهتمام؟

تصريحات الوزير كيري ليست رسالة الى المعارضة السورية، وانما الى داعميها في الرياض وانقرة ايضا، تقول مفرداتها، انكم لستم الذين تقررون شروط “اللعبة” في سورية، وانما نحن الامريكان والروس، ومن لا يعجبه ذلك فليشرب من مياه البوسفور، او البحر الاسود، او الاحمر او من اي بحر آخر يعجبه لونه.

عبد الباري عطوان/ رأي اليوم